السيد محمد الصدر
305
ما وراء الفقه
وأما عدم مطابقته للقول فواضح ، كما لو قلت : سأسافر غدا ولم تسافر . وأما عدم مطابقته للهدف ، كالتاجر الذي يبيع بتسامح في مزيد الطاعة ، مع أنه قصد مزيد الثواب . والقصد إن كان هو الهدف فقد مثلنا له الآن . وإن كان غيره كقصد تفهيم أمر معين ، لكن يختار المتكلم غيره ، فيكون كذبا . والاعتقاد ، يراد به الاعتقاد النظري ، كالاعتقاد بالمبادئ العليا والدين ونحوها فإن بيان خلافها بالقول أو بالفعل ، يكون من الكذب ، سواء كانت حقا ، أو باطلا ، في حد ذاتها . فإن كانت باطلة ، كان القول كذبا من جهتين ، من جهة عدم مطابقته للاعتقاد وعدم مطابقته للواقع . وإن كانت حقا ، كان القول كذبا من جهة مطابقته للاعتقاد وصدقا من جهة مطابقته للواقع . وهذا هو الذي ورد عليه قوله تعالى * ( إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ا للهِ . وَا للهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُه ُ وَا للهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) * ( المنافقون : 1 ) يعني من حيث عدم المطابقة بين قولهم واعتقادهم . وكذلك الحال في عدم القول أو الفعل للرأي . فإن الرأي إن كان هو الاعتقاد ، فقد تحدثنا عنه . وإن كان هو أوسع منه ، لأنه يشمل كل القناعات حتى في الأمور البسيطة والتطبيقية . إذن فسيكون بيان ذلك بالقول على خلاف القاعدة أو العمل على خلاف القناعة كذبا ، لا محالة . ومن هذا كله يمكن أن نخلص إلى إمكان تقسيم الأمور إلى أربعة أقسام رئيسية : قول وفعل وواقع نفسي وواقع خارجي . وإذا وقعت المفارقة أو عدم التطابق بين أي اثنين من هذه الأربعة كان الكذب صادقا : بين القول والقول أو القول والفعل أو القول والخارج أو القول والباطن أو الواقع النفسي . وكذلك بين الفعل والقول أو الفعل والفعل الآخر أو الفعل والخارج أو الفعل والباطن .